السبت، 8 أغسطس 2015

بيت المونة الشامية





ما أغلى من الولد على ست البيت السوريّة إلا بيت المونة خاصتها الذي ترعاه ولا يهنأ بالها حتى تملأه باللذائذ والخيرات من ما ستتباهى به على سفرتها، فتجفف بعض الخضروات والبقوليات وتنظمها في خيط، وتخلل بعضها في (اطرميزات) الزيت وتصنع المربيات وترش الأجبان بحبة البركة وتحفظ كرات اللبنة والجبن. 
قائمة لا تنتهي من الأطايب؛ يبدأ موسمها في فترة محددة من السنة ليمتلىء بيت المونة بها محفوظة كغرفة تبريد عملاقة تكون في قبو البيت لتموّل المطبخ وسفرته طيلة العام. 


كان "رب البيت" بالاتفاق مع زوجته "ست البيت" يقومان بتقدير الحاجة السنوية من أساسيات الأغذية التي من خلالها تشتق مكونات الأكلات. فبعد تقدير كمية الحنطة والبرغل اللازمين؛ تقوم ربة المنزل بعمل المصنع فتطحن وتنقي وتطبخ ثم تجفف لتطحن مرة اخرى ثم تحفظ ( الناعم منه والخشن كلٌ على حدة ) تحفظه في كناديج موجودة في بيت المونة و الكناديج وعاء خشبي على شكل متوازي أضلاع له فتحة من أسفله يمكن سكب الحبوب من خلالها. هذه عملية كاملة لحفظ الحبوب فقط. ومثل جودة صنعها يكون للحليب حتى تخرج منه الكشك وكرات اللبنة والجبن. وقد يقدد اللحم ويجفف و تطبخ الفواكه لتصبح مربيات و تجفف أوراق الزعتر و يكبس الزيتون و تصنع أنواع الدبس وعلى رأسها دبس البندورة ودبس الزبيب. 


لمْ تكن فتة الباذنجان والحمص بالقاورما وحراق اصبعو والمجدرة والمكدوس والمخللات واليالنجي وقائمة لا تنتهي مما يثير الشهية دائماً من أطيب فنون المأكولات وأكثر الأطباق نكهة ولذّة، لمْ تكن مميزة هكذا! بل كان يُعد لها ويُستعد لها في بيت المونة، المخبأ السرّي الذي يعبق برائحة مطبخ الشام.

الجمعة، 17 يوليو 2015

عيد سعيد!







الله أكبر الله أكبر الله أكبر؛ لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.


غاب هلال رمضان؛ وأطفئت الفوانيس وأنزلت عن الجدران؛ وأُعلن عن العيد في كل بلد ودار بما اعتادت من طلقة مدفع أو شعلة نار. وبدأت الاستعدادات له مع فرحة تختبئ بين طبقات فستان طفلة أو تنتشر على كفيّن مخضبين بالحناء أو داخل أفران الخبز والكعك


العيد لا يأتي فجأة لذلك يكون الاستعداد له منذ إقبال العشر الأواخر من رمضان فتُعد أطايب الحلوى والكعك؛ تجتمع نساء الحي في بيت واحد ليصنعوا من مزج الدقيق والسمن والتمر والمكسرات، أطيب لقمة قد يتذوقها الإنسان فتذوب في فيه مخلفة نشوة لذيذة. قدور لتذويب الفواكه المجففة والمكسرات بالهيل والقرفة والمطيبات فتكون أحد الأطباق الملكية في أرض الحجاز وسيّدة سفرة العيد. طاحونة القمح لا تفتأ عن الدوران لتكون الخطوة الأولى لما تبدع الخليجيات في طهوه (الهريس)

اختلفت البقاع وتنوعت الأذواق لكنه استعداد واحد وفرحة واحدة



العيد لا يليق به سوى الجديد والجميل من الثياب فكانت أقمشة العيد تشترى وتخبأ قبيل رمضان لتنتج يد الأم من بين الإبرة والخيط ثياب زوجها وأولادها وفستان طفلتها؛ وقد يعطي أهل الغنى ما تيسر من نظيف ثيابهم لأهل الكفاف؛ أوراق خضراء مجففة ومطحونة تُخلط بالماء لتجلس الصغيرات أمام الجدّة باسطاتٍ أيديهن فيمسكن بكرات طيلة الليل حتى ينبلج الفجر وأيديهن تشرق بلون الحناء.


العيد فرحة للصغار فتقام ساحات الألعاب وترفع أعمدة المراجيح التي لم تكن ترفع إلا تلك الأيام وتوزع النقليات والمكسرات والحلويات لترتبط في أذهانهم بطعم 
العيد

اليوم هو نفسه؛ والمناسبة هي ذاتها؛ لكن رائحة الكعك لم تعد تعطر نسمات ليلة العيد وبدلة الضابط والفستان أبو الكرانيش جافاها الأطفال في أحلامهم وصار للحياة بعد ذلك شكل آخر.

عيدكم سعيد وذنبكم مغفور وأيامكم هنيه 

الجمعة، 10 يوليو 2015

وصفة الأرز الإيراني بالزرشك






خوش آمديد أو أهلاً وسهلاً

حين ترى أطباق الطعام الإيرانية مزينّة بحبيبات حمراء لاذعة الطعم فتظنها حب فاكهة الرمان المجفف فأنت تبهت حق شجرة البرباريس. تلك الشجرة الصغيرة ذات الأزهار المتدلية كعناقيد والثمار الحمراء الصغيرة كياقوت يبرز جمالها. ثمار شجرة البرباريس عرفت قديماً كعلاج واسع الاستخدامات في الطب القديم فاستخدمت كقابض للبطن؛ مفيدة في حالات قروح الأمعاء ونزيفها.كما أنها مفيدة للهضم؛ مقوية للكبد والمعدة. وحتى في حالات السموم لها فائدة عظيمة خصوصاً عند مزجها مع ما يشابه بخواصها كالليمون.
تُسمى علمياً برباريس نسبة إلى  اسمها العربي (أمير باريس) أما في مصر فتسمى (عُقدة) وفي فارس يطلق عليها (الزّرشك)  تنبت طبيعياً في عدد من بلاد العالم أشهرها ما يسمى بالبرباريس الأندلسي، والبرباريس الشامي، الذي يجلب من جبال بيروت وبعلبك وتُعد هذه الشجيرات وثمارها من أنواع التوت البري. ومن أبرز استخداماتها في الوقت الحالي حين تُجفف وتضاف لبعض خلطات البُهارات أو تنقع وتُشرب كشاي أو تضاف كمنكهات للطعام وعلى رأسها حين يُزين بها وجه الأطباق كمثيلاتها من الزبيب والصنوبر والزعفران.

برعت إيران في استخدامه كلمسة أخيرة تضيفه إلى أطباقها؛ فارتبط ذهنيّاً وجود حبيبات الزرشك الحمراء بالأرز الإيراني المزعفر. وحين نقول إيران يعني ذلك عالم فريد من نوعه أشبه بالأساطير تأخذك اللقمة الأولى إلى رحلة أسطورية لاذعة الطعم ممزوجة بحموضة بين الطراوة الغنيّة والقرمشة الشهيّة لتأكد لك أن هذا هو طعم اللذة الحقيقي الذي ينبض بالحياة. وغالباً لا تخلو السُفرة الإيرانية من طبق الأرز المشهور؛ المصبوغ بلون الزعفران والمنكه بماء الورد والمزيّن بالزرشك القادر على إتمام لذّة الطبق. 

بفرماييد فتفضلّوا وصفة الأرز الإيراني بالزرشك

المقادير:
400 جم  - كوبان من أرز بسمتي
من كوب ونصف إلى كوبين ماء ( حسب نوعية الأرز ) 
5 جم -ملعقة صغيرة زعفران، يفضل ان يكون مطحون

45جم -3 ملعقة كبيرة زرشك

15 جم -ملعقة كبيرة زبدة ( يمكن استبدالها بزيت نباتي )  

30 جم  - 2 ملعقة كبيرة بصل مبشور 

رشة سكر

المطيبات:
1 كبش قرنفل
2 حبة هيل صحيح 

طريقة العمل:

1- في قدر على النار يوضع الماء والمطيبات والزيت والملح حتى الغليان.

2-يضاف الأرز المصفى بعد نقعه .

3-يطهى على نار عالية حتى  يقل مستوى الماء وتظهر فقاعات الغليان على السطح (تقريبا من 3 إلى 5 دقائق)
ثم نغطيه ونخفف النار للحد الأدنى.

4-ينظف الزرشك من الحجارة الصغيرة ويغسل جيداً ويصفى .

5-في قدر صغير تذوب الزبدة على نار متوسطة, يضاف  البصل المبشور ويقلى لمدة دقيقة تقريبا يضاف الزرشك ويقلى لمدة دقيقة ثم يضاف السكر وقليل من الملح وأخيرًا يضاف الزعفران المذاب ويطهى لمدة 3-5 دقائق.


يوضع خليط الزرشك  جانبا

6- في وعاء يخلط 3 ملاعق من الأرز بعد نضجه مع خليط الزرشك ويقلب جيدا .
7- يسكب الأرز في طبق التقديم ويزين بخليط الزرشك ويقدم  ساخناً.


*من الممكن إضافة الزبيب أو الفستق مع الزرشك .





المائدة الإيرانية تعني مهرجان من أجمل الألوان؛ فالمطبخ الإيراني مشهور بسخاءه وبخلاف الكثير من المطابخ التي تستخدم الحرّ في أكلاتها من أجل الطعم القوي أو تعتمد على مكوّن واحد ليكون صاحب النكهة الأساسية، فهو يعتمد كثيراً على الأعشاب الطازجة والمجفّفة ليضفي نكهات مختلفة ومميّزة إلى كل طبق. وليست النكهة وحدها ما يميز الأطباق الإيرانية؛ بل نرى تكامل كل طبق على حدة كوجبة لا ينقصها عنصر غذائي فترى اللحوم والأسماك تنسجم مع أنواع الخضار في أنواع مختلفة من الأطباق بل قد يصل الابتكار الإيراني إلى إضافة بعض الفواكه المجففة؛ فكل وصفة لا تشابه الأخرى في الطعم؛ لها نغمها ولذّتها الخاصة وألوانها المختلفة؛ لكنها تظل كوجبة كاملة غذائياً غنيّة بمذاقها.

 نوش جان وبالصحة والعافية

الاثنين، 6 يوليو 2015

"أنطونه الله ينطيكم بيت مكة يوديكم"








لم يكن رمضان الخليج إلا مظهراً بهيجاً يجعل من البساطة حليَة له؛ وأنغامه العذبة أهازيج الصغار وتلاوات الكبار وصوت أئمة المساجد قائمين بالأسحار .. لكن الحداثة لمْ تُبق من ذاك المظهر ولمْ تذر.



اعتاد الخليجيون على استقبال رمضان بليلة (قريش) وهي تصغير لـ(قرش) عُملة المال المتداولة آنذاك. وهي الليلة التي تسبق دخول شهر رمضان المُبارك يجتمع فيها العائلة لتناول آخر وجبة قبل الصيام وأول وجبة سَحور. وسميت بالقريش لبساطة ما يوضع فيها من الطعام حيث يجمع ما تبقى من طعام اليوم السابق أو يكون الطعام فيها بسيطاً ولذلك صُغّر مسمى القِرش فيه لبساطة ما يُدفع فيه من المال.


كان الأب العُود وزوجته الحجية وأولاده وزوجاتهم والأحفاد يسكنون ذات البيت فيجمعون فائض الطعام ويتحلقون حول سُفرة بسيطة قيمتها كقيمة المتبقي في جرة المال حين تشارف على الانتهاء فتقرقش العُملات داخلها وكما يُقال في المثل الدارج (اليوم القريش وباجر نطوي الكريش).
ويقبل الشهر الفضيل على أهل الخليج حتى إذا انتصف خرج الأطفال على مدى ثلاثة أيام كانوا ينتظرونها بفارغ الصبر ليطوفوا حول البيوت وفي السكك والـ(فرجان) يطرقونها متغنين بترانيم معروفة للأولاد والبنات كلٌ في مجموعته؛ فيقول الأولاد (سلّم ولدهم يالله خَلّه لأمه يالله) بينما يرد البنات (قرقيعان وقرقيعان بيت قصيّر ورميضان)؛ حينها يعطيهم صاحب الدار ما تيسر من الحلوى والمكسرات ليشكروه بطريقتهم (عساكم تعودونه وكل سنة تصومونه). وقد يكون نجم تلك السنة أصغر مولود في الأسرة لينادي الأطفال باسمه (قرقيعان فلان .. قرقيعان فلان).

القرقيعان في الكويت وشرق السعودية وقرقاعون في البحرين وقرنقشوه في عمان والماجينة في العراق وحق الليلة في الإمارات وقرنقعوه في قطر؛ مهما اختلفت مسمياتها كلها تعود لمعنى واحد؛ طواف حول الدور بأكياس تُشد على الرقبة والصدر تسمى الخريطة أو سلال خوص تسمى بالمخلاة تصدر صوت قرقعة لما يوضع فيها من الحلوى وأبيات مُغناة معروفة تغنت بها مُدن العراق: (ماجينة يا ماجينة حلّ الكيس وأنطينه؛ أنطونه الله ينطيكم بيت مكة يوديكم) وسكك الكويت:(قرقيعان وقرقيعان عطونا الله يعطيكم بيت مكة يوديكم يا مكة يا معمورة ياأم السلاسل والذهب عطونا دحبة ميزان يسلم لكم عزيزان) ودور الإمارات:( إنطونه حق الله يرضى عليكم الله جدام بيتكم دلة عسى الفقر ما يدله). 


اختيار منتصف شهر رمضان بالذات حُمل على أحداث تاريخية عديدة؛ ومنهم ما حمّله على أهداف دينية؛ أقدم أسبابه احتفالاً بمولد الحُسين سبط الرسول صلى الله عليه وسلّم فكان احتفالاً مُبتدعاً على الدين اسمه احتفال (قرة العين) حتى تحوّل إلى عادة اسمها القرقيعان. ومنهم من يقول أنها تحريف لعادة جرت في عهد العباسيين وهي الطلب في منتصف الشهر بحداء يقول: يا صاحب البيت أجر الجوعان يا ربنا أعطه بيتاً في عالي الجنان؛ وكان الفقراء يقصدون بيت الخليفة وبيوت الوزراء كما ذكر ذلك أبو الفرج الأصفهاني في كتابه (الأغاني).
أما الرواية الأخيرة فتراه أمراً مستحدثاً من أهالي الخليج حين اُستعمروا من البريطانيين ووافق احتفالهم بالهالوين منتصف شهر رمضان فاستحسنوا الفكرة اعتقاداً منهم أنهم يشاركونهم فرحتهم بشهر رمضان.

القريش و القرقيعان كلاهما غرِقا في مظهريّة مقيتة وإسراف وتبذير نقلتهما من عفوية وبساطة الماضي إلى اصطناع وتكلف الحاضر ففقدا لذتهما والألفة الحاضرة فيهما. فصار القريش وليمة تُمد فيها أصناف الطعام وقد يتعدى ذلك البيوت إلى الفنادق الفاخرة والمطاعم الراقية. صار يسبقهما بطاقات دعوات شخصية واستعداد باللباس والهدايا المتكلفة وطرق التغليف المبالغ في مظهرها ومبلغها حتى لمْ يعد هناك من قيمة تراثهما سوى مظهر واسم. فهل سيقتص التاريخ يوماً من الحداثة؟  

الجمعة، 26 يونيو 2015

المُسحّر أبو طبلة !







حين يغفو هلال شعبان الأخير يولد من رحمه هلال رمضان ليمضي رجلٌ  بين البيوت وهو يحمل بين يديه طبلة يدقها مردداً كلماتٍ مقفاة مُعلناً ولادته وليبدأ بذلك
 مهمته الليلية التي لا يستلم عليها أجراً إلا بعد حلول العيد فتكون فرحته اثنتين

(المُسحّر) 
هكذا يُسميه أهل مكة الّذين اعتادوا أن يكون هو من يوقظهم لتناول السَحور قبيل الفجر؛ في عهد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كان بلال ابن رباح وابن أم مكتوم هُما من استلما هذه المهمة فالأول كان يؤذن لأجل السحور حين يؤذن الآخر لأجل الامتناع والإمساك. لكن مكّة توسعت وصار وصول صوت الآذان ليس سهلاً فابتكر المكّيون وظيفة المُسحّر حيث أثار هذا استغراب ابن جبير الأندلسي حين زار مكة في رمضان فيروي ذلك: (المؤذن الزمزمي يتولى التسحير في الصومعة، التي في الركن الشرقي من المسجد بسبب قربها من دار الأمير، فيقوم في وقت السحور فيها داعيًا ومذكّرًا ومحرّضًا على السحور، ومعه أخوان صغيران يجاوبانه ويقاولانه، وقد نُصبت في أعلى الصومعة خشبة طويلة في رأسها عود كالذراع، وفي طرفيه بكرتان صغيرتان يُرفع عليهما قنديلان من الزجاج كبيران لا يزالان يَقِدان مدة التسحير. فإذا قرب تبيين خيطي الفجر، ووقع الإيذان بالقطع مرة بعد مرة، حط المؤذن المذكور القنديلين من أعلى الخشبة، وبدأ بالأذان، وثوّب المؤذنون من كل ناحية بالأذان)

ولمّا كانت الفوانيس هي (مُسحّر) أهل مكة. كان المسلمون في البلاد الأخرى يعينون من أهل حيّهم من يقوم بهذه المهمة بالطواف حول البيوت وإيقاظ النائمين وتذكير القائمين والمعتكفين بقرب دخول وقت الفجر؛ ويُقال بأن أول من ابتدع الطواف حول البيوت همْ أهل البدارة والصدراة أهل مِصر. ففي عام 228 هـ كان عنبسة ابن إسحاق يمشي من مدينة العسكر وحتى الفسطاط منادياً للسحور ثم تنوقلت مهمته بين العسكر وبين أشخاص تعينهم الدولة أو شخص يتفق عليه أهل الحيّ فيدور بالطبلة والمزمار أو يدق الأبواب بالنبابيت. 

لم يستطع طوفان الحضارة والتكنلوجيا أن يُغرق هذا الفلوكور تماماً؛ فلم تزل وحتى اليوم بعض الأحياء والقرى في الدول العربية تُعيّن من يقوم بمهمة إيقاظ الناس وتذكيرهم بالسحور تحت مسمى (المسحراتي) أو (أبو طبلة) سواء كان من رجال الحيّ أو من الأطفال لأجل إشراكهم في مظاهر الشهر الفضيل. فيدورون منادين أهل الحيّ بأسماءهم ومرددين عباراتهم المعروفة والمتوارثة:اصحى يانايم وحد الدايم؛السعي للصوم خير من النوم؛ دي ليالي سمحه نجومها سبحه؛ اصحى يانايم يانايم اصحى وحد الرزاق؛ رمضان كريم يا نايم وحّد الدايم يا نايم وحّد الله.ليكون دعاءهم للسحور موافقاً لنزول ملائكة الفجر و أزيز القائمين بالسحر وصلاة الله على المتسحرين

الجمعة، 19 يونيو 2015

مدفع الإفطار; فرحة الصائم الأولى عند فطره !




مع وجود الآذان لمَ وجد مدفع الإفطار؟
 الصوت الذي ارتبط في ذهن كل مصري مع حلول وقت الإفطار؛ هل كانت بدايته محض مصادفة؟ وسيلة الحرب الجبّارة كيف صارت نداءً لإعلان شعيرة تراحمية سِلمية؟ 

تجيب صفحات عام ٨٥٩ من التاريخ الهجري عن ذلك، فهي قد شهدت مولد هذا التراث الجميل فتقول: كان والي مِصر الإخشيدي (خوشقدم) يجرب مدفعاً جديداً أهداه إليه أحد الولاة وتوافق إطلاق المدفع مع رفع أذان المغرب معلناً إفطار اليوم الأول من رمضان ذاكَ العام. هذه المصادفة جعلت من شيوخ وكبار رجال القاهرة يتوافدون على قصر (خوشقدم) يشكرونه على هذه البادرة ليُسمع وقت الإفطار بوضوح في أرجاء البلد؛ وهي في الحقيقة محض مصادفة! لكنها استمرت لأجيال ودول متتالية حتى صارت معلماً معروفاً مرتبطاً بالمواسم الدينية. لمْ تكن حادثة والي مصر الإخشيدي هي الوحيدة؛ بل يُذكر أنه قد وصلت هدية ألمانية الصنع  لمحمد علي باشا الكبير عبارة عن مدفع حربي وكانت تجربة القذيفة الأولى موافقة لغروب شمس اليوم الأول من رمضان وبه استمرت هذه العادة. 

( الحاجة فاطمة ) هو أحد المسميات الشهيرة لمدفع رمضان نسبة إلى ابنة الخديوي إسماعيل حين أُطلق المدفع مصادفة أثناء تنظيفه وقت الإفطار وهذا الإعلان عن حلول وقت الإفطار نال إعجابها فأصدرت فرماناً يقضي بإطلاق المدفع وقتيّ السحور والفطور. 

تعددت القصص والروايات حول أول ظهور للمدفع؛ وقد يكون هذا بسبب انقطاع تلك العادة فترات ثم يأتي من يحييها من جديد، إلا أنها من بعد الحاجّة فاطمة لم تنقطع بل وانتشرت من مصر إلى دمشق والقدس ثم بغداد في أواخر القرن التاسع عشر ثم باقي الخليج والحرمين الشريفين. وامتد انتشاره غرب مصر وجنوبها من البلدان الإفريقية، بل وتوسع استعماله من رمضان إلى المناسبات والأعياد الدينية. 

طلقة عند إعلان شهر رمضان وأخرى عند السحر والثالثة مع حلول موعد الإمساك وصلاة الفجر؛ هذا هو الترتيب المعروف لطلقات المدفع الرمضاني. ثم إذا هل هلال العيد كانت سبع طلقات معلنة انتهاء شهر الصوم. لكن طلقة المدفع العظمى التي يسري دويها في أجساد مترقبيها هي طلقة غروب الشمس قبل أذان المغرب بلحظات حين يعلن مشرف المدفع ( مدفع الإفطااااار... إضرررررب ) فتكون فرحة الصائم الأولى عند فطره. 




الأربعاء، 17 يونيو 2015

فانوس رمضان




هل تعرفون معنى أن تمسي الدار العربية وهي تشع ألواناً؟ معنى الشاعرية الممزوجة بالأجواء الروحانية؟ معنى الدفء الأنيق الذي يبعثه ذاك الضوء المنبعث من وراء الزجاجة الهندسية الملونة؟ تلك الزجاجة التي قامت عليها دراسات وبحوث ورسائل أكاديمية ذلك الفلوكور الشعبي الذي امتد من كونه رمزاً لمكان إلى كونه شعاراً لأمة كاملة تحتفل بدخول شهر صومها به.

لمَ صار الفانوسُ يعانق هلال شهر الصوم في كل ما يخص رمضان؟ 
لم يتفق التاريخُ غالباً على رواية واحدة فيما يخص التساؤلات. فيعطي من الحكايات ما يشبع الفضول ويزيد، حول كيف ظهر هذا! ومن فرض ذاك! ومن ابتكر تلك! وكذا حال فانوس رمضان، إلا أنه ومع اختلاف روايات ظهوره اتفقت على ميلاده من رحم "أم الدنيا" مصر.

في عام ٣٥٨ هجري كان الخليفة الفاطمي (المعز لدين الله) على مشارف القاهرة، وبأمر من حاكم مصر آنذاك (جوهر الصقلي) خرج الناس لاستقبال الخليفة ليلاً حاملين معهم الشموع التي أحاطوها بالجريد والجلد الرقيق القائم على قاعدة خشبية لتحميها من الهواء. ذاك المشهد نال إعجاب الخليفة والحاكم معاً لتكون بعدها سنة رمضانية مصرية أصيلة. ويقال أن الخليفة الفاطمي ذاته (الحاكم بأمر الله) لم يكن يسمحُ للنساء بالسير ليلاً إلا أنه لم يكن ليمنعهن من صلاة التراويح في المسجد شريطة أن يسير أمامهن طفل يحمل فانوساً ليفسح الرجال الطريق للنساء ستراً وحمايةً لهن.
 يُجمع التاريخ أن الفانوس كان صنيعة فاطمية رمضانية بحتة، فيقولُ أن تعليق الفوانيس كان واجباً في ليالي رمضان لإضاءة جوانب الطريق للمتجهين للصلاة والقيام ثم يرفع حال نهاية الشهر ليعاد استخدامه في رمضان القادم. ويقول أنه كان واجباً على التجار وأصحاب العقار المساهمة في تزيين الحوانيت والطرق احتفالا بمقدم الشهر الفضيل، ومع كل هذا الاختلاف في الروايات إلا أنه يبقى موروثاً مقدساً لدى المصريين ورمزاً تزاثياً شعبياً عريقاً لهم. 

وزارة التجارة والصناعة المصرية منعت استيراد الفوانيس في بادرة رائعة للحفاظ على هذا الموروث الصناعي الذي تميزت به مصر عن غيرها، وبه اشتهرت الغورية وبركة الفيل حيث تجد أشهر العائلات التي توارثت صناعته جيلاً بعد جيل بل وطورته من مجرد علبة صفيح إلى تحف فنية ارتبطت بفنون التحف والتصميم الداخلي الشرقي. 



لذلك حين يمد الأب المصري لطفله فانوساً ليلة رمضان فهو يهديه تراثاً يجب أن لا يتخلى عنه. تراثاً أبلغ الأدباء حين وصفوه بقولهم:


ونجمٌ من الفانوس يشرقُ ضوؤهُ ** ولمْ أرَ نجماً قط قبل طلوعهِ
ولكنهُ دونَ الكواكبِ لا يسري ** إذا غابِ ينهى الصائمين عن الفطرِ